Pause
Current Time 0:09
/
Duration Time 0:12
Remaining Time -0:03
Stream TypeLIVE
Loaded: 0%
Progress: 0%
0:09
Fullscreen
00:00
Mute
Playback Rate
    1
    Subtitles
    • subtitles off
    Captions
    • captions settings
    • captions off
    Chapters
    • Chapters


    يشير مصطلح المثلية (Homosexuality) إلى الميول الجنسية للشخص نحو فرد آخر من الجنس نفسه. ولهذا المصطلح مرادفات في اللغة العربية كـ «اللواط» الذي يختصُّ بالعلاقات الذكرية، نسبةً إلى قوم النبي لوط، أو السحاق المختص بالعلاقات الأنثوية وهو لفظ أعجمي مُولَّد في اللغة العربية ربّما تعود أصوله إلى الشاعرة الإغريقية سافو (560 – 630 ق. م) التي كانت المثلية موضوعها الشعري الأثير.

    وفي حين نجد في تاريخ الأدب الأوروبي عدداً من الأديبات المشهورات كرينش وآنا سيوراد وإميلي ديكنسون وكارول آن دوفي (شاعرة البلاط البريطاني حالياً)، ممن كانت المثليّة موضوعاً شعرياً لهن، فإننا لا نجد مثل ذلك في الأدب العربي، وإن كان هناك ذِكرٌ لبعض المثليات كهند بنت عامر زوجة النعمان ملك الحيرة أو علية بنت المهدي أو أم الضحَّاك المحاربية، لكننا لا نملك نصوصاً لهن تُدلِّل على اشتغالهن بالمثلية كموضوع شعري. ولا ندري هل سبب ذلك أن شعر النساء العربيات لم يُدوِّن منه رجالُ الأدب الكثير، أم أن ذلك بسبب كون المثلية من المواضيع المحرَّمة التي كان مؤرِّخو الأدب ومدوِّنوه يتجنّبونها.

    لكننا نميل إلى السبب الأول، لأننا لو نظرنا إلى الجانب الذكوري فسنجد أن تاريخ الأدب العربي دَوَّنَ مثليّة الرجال بحكايات كثيرة وبنصوص كثيرة أيضاً. فكما أن الأدب الأوروبي يحتفظ بأسماء مثليّة كإسخيليوس وأندريه جيد وتينيسي وليامز وأوسكار وايلد، فإن الأدب العربي يحتفظ بأسماءٍ كأبي نواس وبشار بن برد ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد وحمّاد عجرد وسلم الخاسر ووالبة بن الحباب وإبان اللاحقي وصفي الدين الحلّي (677 – 752هـ) موضوع هذه المقالة، والذي لم تنل تجربته الشعرية اهتماماً واسعاً لدى المؤرِّخين والدارسين. والحقيقة أن صفي الدين قد ظُلمت تجربته الشعرية إذ حُصرت في تفنُّنه بألوان البديع وإغراقه في الصناعة اللفظية، ما وسم شعره بالتكلّف والخلو من العاطفة، ولا ننكر أن جزءاً من شعره كذلك، لكنَّ له أشعاراً أخرى جيّدة بمقاييس الأدب القديم، ففيها ما ينمُّ عن سليقة شعرية مصقولة، وعن شاعر مطبوع لا متطبِّع، تجد في شعره سلاسة الأسلوب وجزالة الألفاظ وذكاء المعاني.

    على أننا لا نستبعد تأثير النزعة الأخلاقية في حذف النصوص المثلية بشكل خاص والجنسية بشكل عام من الأدب العربي، فالمبضع الأخلاقي كان ولا زال يعمل في جسد هذا الأدب على مرأىً ومسمعٍ، بدءاً بنصوص «ألف ليلة وليلة» ومقامات بديع الزمان الهمذاني وغيرهما على يد محقِّقي الأدب، وانتهاءً بما يُنتجه الأدب الحديث على يد الرقيب المؤسّساتي. وإن كانت بعض النصوص لم تنجُ من ذلك المبضع، وهو ما يُعدُّ خسارة للأدب العربي، فإن بعض النصوص استطاعت الإفلات، لكنها لا تزال مُطارَدة حتى يصبح الحصول على نسخة منها للباحث أشبه بالفوز بمغامرة. ولعلَّ «حمضيات» صفي الدين الحلّي هي مثال جيّد على الوضع الأخير.

    والحمضيّات في اللغة نبات فيه ملوحة تأكله الإبل كلّما ملَّت من أكلها المعتاد، وقد استخدمت العرب هذه الكلمة كنايةً عن هزل الكلام الذي يخوض فيه الرجال حينما تملُّ نفوسهم من جدّه. وقد استخدمها صفي الدين لوصف مقطوعات شعرية له تصف العملية الجنسية بين رجل وغلام وصفاً صريحاً يُسمِّي الأشياء بأسمائها، في حين أنه لم يُطلق هذه الصفة على أبياته التي يتغزّل فيها بالغلمان، وسمَّى ذلك تشبيباً، سواء في القسم الذي يكون فيه الغزل به تصريح باسم الغلام أو الغزل الذي يكون مغفل الاسم والذي يمكن أن يُحمَل على أنه غزل بجاريةٍ خُوطبت مخاطبةَ الغلام.

    ومن المعروف أن ظاهرة الغزل بالغلمان هي ظاهرة بدأت في نهاية العصر العباسي وبلغت أوجها في عصور الانحطاط التي كان ينتمي إليها صفي الدين الحلّي. والباحثون يُرجعون علّة هذه الظاهرة إلى انفتاح البلاد العربية على البلدان الأعجمية وغرقها بالغلمان من بيض وحمر وترك وفرس، من أصحاب الصور الفاتنة. وما زادهم فتنةً رخاوة الحضارة حيث اللباس المزيّن والروائح الطيّبة والنعومة الجسدية، مما لم يكن موجوداً في الزمان السابق، وإلى ذلك يشير الجاحظ في رسائله على لسان أحدهم: «لو نظر كُثيِّر وجميل وعروة ومن سمّيت من نظرائهم إلى بعض خدم أهل عصرنا ممن قد اشتُري بالمال العظيم فراهةً وشطاطاً ونقاءَ لونٍ وحُسنَ اعتدالٍ وجودةَ قدٍّ وقوام لنبذوا بُثينة وعزّة وعفْراء‏». وهو ما ظهر تأثيره بطبيعة الحال في الشعر العربي فأصبح الغزل بالغلمان ظاهرة شائعة لا عيب على الشاعر فيها، سواء كان جاداً في شغفه بأجساد الغلمان أم هازلاً يتسلّى بجعل أجساد الغلمان موضوعاً لتفنُّنه الشعري. وخصوصاً أن الغلمان كانوا يعملون في أماكن لا تخلو من وجود الشعراء كحانات الشراب حيث السقاة من الغلمان أو جلسات الطرب حيث العازفون من الغلمان.

    والحلّي يشير أحياناً إلى الأصل الأعجمي للغلام الذي يتغزّل به مؤكّداً كلامنا، كقوله:

    “للتُّركِ ماليَ تَركُ

    ما دينُ حبّي شركُ

    أخلصت دين هواهم

    فحبّهم لي نسكُ“

    أو قوله:

    «ظبي من الترك بتُّ من ولهي

    أرضى بسمع اليسير من كلمهْ

    يبخل حتى بذكر عاشقهِ

    وذاك من ضيق عينه وفمهْ“

    وكذلك يصف في نصوص أخرى مجلس الشراب حيث يكون الساقي غلاماً تركياً:

    “رشأ من جآذر الترك لكن

    حاز إرث الجمال من بلقيسِ

    فابتدرنا الصبوح و****و لمّا

    نبه الصبح دقة الناقوسِ

    قهوة تحسد العمائم لا تسكن

    لمّا تدار غير الرؤوسِ

    من يدي شادن يكاد يعيد

    الراح سكرى بخلقه المأنوس“

    ويصف في مواضع أخرى غلاماً راقصاً وغلاماً زامراً وغلاماً يضرب بالعود:

    “فتن الأنام بعوده وبشدوه

    شادٍ تجمَّعت المحاسنُ فيهِ

    حتى كأن لسانه بيمينه

    أو أن ما بيمينه في فيهِ“

    ولو كان عيباً مثل هذا الغزل في زمان الحلّي لما أثبته في ديوانه وهو من الشخصيات البارزة والمحترمة في ذلك الزمان، بل هو من أسرة دينية عريقة، كما تشير ترجماته. وقد أفرد الحلّي لهذا الغزل قسماً خاصاً، كما أفرد لمدائحه النبوية قسماً خاصاً؛ إذ أنه هو من وضع ترتيب ديوانه وأثبت قصائده كما يُفهَم من المقدّمة التي كتبها هو بنفسه، ولم يترك أمرَ ديوانه لغيره.

    غير أن ما كان يراه صفي الدين ليس بعيب في زمانه، أصبح عيباً في الزمان الذي بعده. فهذا ناسخ الديوان في النسخة القديمة التي استطعنا الحصول عليها يكتب قبل البدء بنسخ الأحماض «أستغفر **** مما أدنس به قلمي بكتابة هذا الفصل الذي إن يوجد بينه وبين عدم الآداب فصل ولكنني أكتبه لأجل إيضاح رَدَاوته على من يعثر على تلاوته!”

    فالناسخ يستغفر **** من نسخه لأحماض الحلّي وكأنه يرتكب ذنباً، في حين أن صاحب المطبعة الذي صف هذه النسخة المخطوطة وغامر بطبعها فضَّل أن يؤخر موضع الأحماض إلى آخر الديوان إذ أن صفي الدين لم يؤخّرها، مبرّراً فعلته بقوله: «أنه لمّا كان موضوعها يستهجنه بعض القوم رأيت الأصوب إثباتها آخر الكتاب فيكون مقتنيه مخيَّراً عند التجليد بين إبقائها وحذفها إذ أنني لم أرَ نفسي حراً لاختيار حذفها مطلقاً لأنه تصرُّف لا تُجوِّزه العادة». وفي حين أن أخلاق صاحب المطبعة لم تسمح له بحذف أحماض الحلّي بل ترك خيار انتزاعها «لمن يقتنون الكتاب ويستهجنون سماعها ولا سيما أرباب العيال الذين تهمّهم المحافظة على الأمور الأدبية» كما يشير في موضع آخر، فإن أخلاق محقّقي هذا الزمان قد سمحت لهم ليس بحذفها فقط، بل وبعدم الإشارة إليها من قريب أو بعيد. وهو الفعل نفسه الذي طاول كثيراً من الأعمال الأدبية التراثية.

    وما حصل لديوان صفي الدين الحلّي هو مثال واضح على تغيّر المعايير الأخلاقية الاجتماعية من زمان إلى زمان آخر، فبطبيعة الحال لو كان الحلّي في زمن الإسلام الأول لما كتب في هذا الموضوع، ولو كان في زماننا أيضاً لصعب عليه أن يكتب وينشر ما يكتبه، لكنه كان في زمنه، وزمنه غير زمننا. والمفارقة أن زمان الحلّي كانت فيه المجتمعات مرنةً في معاييرها الأخلاقية وهي التي تعيش حالة انحطاط ثقافي، في حين أن مجتمعاتنا المنفتحة على التطوّر الثقافي – وإن كانت هي غير متطوّرة – متشدِّدةٌ في معاييرها الأخلاقية!

    لم يكن صفي الدين الحلّي يعتبر الغزل في الغلمان عيباً، سواء ما فحش منه أو ما عفَّ، ومن مظاهر عدم الاعتبارية هذه تعريضه بمدح الملك الصالح أحد ملوك بني أرتق في آخر قصيدة حمضية طويلة، تصف مغامرته الجنسية مع جارية، طلبت أجرها في نهاية القصيدة وهو لا يملك المال، لكنه طمأنها بأنه سيعطيها من عطايا الملك الصالح الذي هو ظلّ **** على الأرض كما يصفه الحلّي، وبذلك أجاد التخلّص من الحمضيات إلى المدح. نقتطف من هذه القصيدة ما يشير إلى شيوع حب الغلمان في ذلك الزمان:

    “حيَّرتني بفترة الأعين الحورِ

    فتاةٌ كأنها حوريةْ

    ذات ردفٍ كأنه دعص كافور

    بقعر الوردة الجوريةْ

    قدري التدوير معتزلي الحجم

    أعماقه أشعريةْ

    شغفت بي وكنت أشغف بالمردِ

    فصارت بالحسن عندي حظيةْ

    حلَّفتني أن لا أنيك غلاماً

    فتجرعتها أمر إليِّةْ

    ثم لما مرّت شهور ولا

    تنظر مني إلا لزوم التقيةْ

    ظفرت بي في البيت كنت وعندي

    شادن ربّ بهجة يوسفيةْ.”

    وإن كان الحلّي في هذه القصيدة قد عَرَّض بمدح الملك الصالح فهو في قصيدة أخرى يعرِّض بمدح من هو أعظم منه وهو علي ابن أبي طالب، ففي قصيدة يصف فيها لعبَه مع غلام تركي لعبة الشطرنج، على أن يأخذ منه ما يأخذ الرجل من الغلام في ذلك الزمان إن هزمه، وحين انتصر صفي الدين بكى الغلام التركي وخاطب صفي الدين:

    “قائلاً إن عفوت قيل كما قيل

    وما شاع عنك في الخافقَينِ

    إن في رتبة الفتوّة أصلاً

    لك يعزى إلى أبي الحسنَينِ

    صاحب النص والأدلة والإجماعِ

    في المشرقَين والمغربَينِ

    قلت بشراك قد أقلتك إكراماً

    لذكر المولى أبي السبطَينِ.”

    ولا يكتفي صفي الدين بذلك بل يستخدم أسماء الشخصيات الدينية في غزله الغلماني، فيقول في غلام اسمه “علي”:

    “كيف حلَّلتَ يا علي دمي فيك

    وإني من شيعة الأنصارِ

    وتلا مرحباً فؤادي للقياكَ

    فنابت عيناك عن ذي الفقارِ“.

    ويقول في غلام اسمه «حسين”:

    “إذا ما قلَّبوا في الحشر قلبي

    رأوا بين الضلوع هوى حسينِ

    سميُّك كـان مقتولاً بظلمٍ

    وأنت ظلمتني وجلبت حيني.”

    وكي لا يغمط الأنبياء حقّهم، استخدم على المنوال نفسه أسماءَ موسى ويوسف وسليمان وداود بل وحتى محمّد.

    والواقع أنني لا أريد الدخول في إشكالية هل ما يقوله صفي الدين هو مجرّد شعر يلهو به، أم حقيقة تُعبِّر عن كلفه بالغلمان؟ بل سأوجّه الكلام إلى ما يكشفه هذا الغزل من ملامح حياة أهل ذلك الزمان وميولهم الجنسية. وقد ذكرتُ أول ما ذكرت هو أن غزل الغلمان هذا يدلّ على انتشار الغلمان من أصل أعجمي في البلاد العربية، وكلف العرب بهم، وهذا هو الملمح الأول.

    الملمح الثاني: هو كساد سوق النساء ورواج بضاعة الغلمان. فمن شدّة فتنة هؤلاء الغلمان أن أصبح الكلف بهم أكثر من الكلف بأجمل النساء. يقول مثلاً صفي الدين:

    “خلياني من فترة النسوانِ

    وانعشاني بنشطة الغلمانِ

    ليس يصبو لربّة الخال قلبي

    بل برب الأقراط جنّ جناني

    فاخليا من فلانة خرق سمعي

    واملأا مسمعي بذكر فلانِ

    إن رآه ذوو البصائر قالوا

    غير مستحسن وصال الغواني.”

    وفي القصيدة التي ذكرناها سابقاً حيث عرَّض فيها بالملك الصالح شاهد آخر. ولم يقتصر تأثير الغلمان عند هذا الحدّ، فقد أثَّر حتى على طريقة الأداء الجنسي بين الرجال والنساء، إذ أنه يصف في قصيدته السابقة رغبته في أن يأتيها كما يأتي الغلام وإلا فإنه لن يقربها، وهذا ما يصرح به في موضع آخر بقوله:

    “وذات جحر جادت به فصددتها

    وقلت لها مقصودي العجز لا الفرجُ

    فدارت ودارت سوء خُلقي بالرضى

    وفي قلبها مما تكابده وهجُ.”

    ولنا أن نتساءل لماذا هذا الكلف بالغلمان في عصر ليست الجواري الجميلات فيه بمنأى عن اليد؟ وقد حاولت تدقيق النظر في القصائد التي تصف جمال الغلمان فلم أجد إلا أنها تصف الغلمان بما يصف به الشعراء الجواري بلا أي فرق، فالغلام يُشبَّه بالبدر والشمس:

    “جلَّ الذي أطلع شمس الضحى

    مشرقة في جنح ليل بهيمْ

    بدر ظننا وجهه جنةً

    فمسَّنا منها عذاب أليمْ.”

    ويُشبَّه ريقه بالخمر:

    “في خيامهم قمر

    بالصفاح محتجب

    ريقه معتَّقة

    ثغره لها حبب.”

    ويوصف خصره بالضعف وردفه بالكبر:

    “لقد وهم الفلاسف حين قالوا

    لطيف الجرم يفعل بالكثيفِ

    تأمَّل ردفه والخصر تنظرْ

    كثيفَ الردف يفعلُ في اللطيفِ.”

    وتُوصف عينه بالسلاح وخدوده بالورد:

    “إلى عينَيه تنتسب المنايا

    كما انتسب الرماح إلى ردينِ

    تلاحظ سوسن الخدَّين منه

    فيبدلها الحياء بوردتَينِ.”

    ويُشبَّه بالرشأ والغصن:

    “رشا تفرَّد فيه قلبي بالهوى

    لما غدا بجماله متفرِّدا

    قاسوك بالغصن الرطيب جهالةً

    ت**** قد ظلمَ المشبِّه واعتدى

    حُسنُ الغصون إذا اكتست أوراقها

    ونراك أحسن ما تكون مُجرَّدا.”

    وهذه كلها صفات وُصفت بها النساء قبل عصر الحلّي، ولا توجد صفة زائدة في الغلمان لا توجد في النساء، وهذا ما يجعلنا نظن أن سبب الكلف بالغلمان أنهم كانوا من الجمال الجسدي في مقام مساوٍ للنساء بحيث أن الشعراء كانوا يرون فيهم ما يرونه في النساء الجميلات وأكثر، وهذا هو الملمح الثالث. حتى أنهم من شدّة كلفهم بالغلمان لا يرعوون عنهم حتى وإن نبتت لحاهم:

    “قالوا التحى من قد كلفت بحبّه

    وبدا السواد بخده الغرَّارِ

    فأجبتهم: ما تلك منه عجيبة

    إن الظلام مطيّة الأنوارِ.”

    حتى باتت النساء لا يؤتَين إلا إذا انعدمت الغلمان:

    “وليس ولوعي بالفتاة لأنها

    أتمّ من الظبي الربيب وأملحُ

    ولكن لإعواز النفيس من الظبى

    وما كل ظهر للكتابة يصلحُ.”

    أي أن الميول الجنسية أصبحت مقلوبة في زمن الحلّي، فالفتاة لا تُشتهى إلا إذا كانت تُشبه الفتى، وتفعل ما يفعله، بل ولا يُلتفت إليها وهناك فتى في متناول اليد. حتى تشبَّهت الجواري بالغلمان في ذلك العصر فأُطلق عليهن لقب «الغلاميات». يقول الجاحظ في ذلك: «إن من فضل الغلام على الجارية أن الجارية إذا وُصفت بكمال الحسن قيل‏:‏ كأنَّها غلام ووصيفةٌ غلامية»، وقال والبة بن الحُباب‏:‏

    “وميراثيَّة تمشي اختيالاً

    من التكريه قاتلة الكلامِ

    لها زيُّ الغلام ولم أقسْها

    إليه ولم أُقصِّر بالغلامِ.”

    وقال عُكاشة‏:‏

    “مطمومة الشَّعْر في قُمصٍ مزرَّرةٍ

    في زيّ ذي ذكرٍ سيماهُ سيماها.”

    واقتداءً منّا بصاحب المطبعة فإننا نوردُ أخفَّ الأحماض خاتمةً، كي لا تفسد قراءة المقال لمن لا يريد أن يقرأ هذه الأشعار. يقول الحلّي:

    “أنفع النوم على الوجهِ كذا قال الحكيمُ

    فإذا نام نديم مثلما يرضى النديمُ

    فله في ذاك نفعٌ وله أجر عظيمُ.”

    ***

    “و**** لم أجلد عميرة طالباً

    حالاً تقربني إلى العصيانِ

    لكن زنى بالطيف في سنة الكرى

    فجلدته والجلد حدّ الزاني.”

    ***

    “ولي غلام كالنجم طلعته

    أخدمه وهو بعض خُدَّامي

    تراه خلفي طول النهار فإن

    دجا لنا الليل صار قدَّامي.”

    ***

    “لما تناقض عن لقاك تصبُّري

    وازداد فيك تهتُّكي وولوعي

    أدخلتُ بعضي فيك من حذر النوى

    ولو استطعت دخلتُ فيك جميعي.”

    ***

    “ولم أرَ كالمحبوب ليلة وصله

    وقد غاظه لومي له وعتابيا

    إذا كان غضباناً لقيني بوجهه

    وبالظهر يلقاني إذا كان راضيا.”

    ***

    “أيا من حاز ملك الحسن طراً

    ورنَّح لين عطفَيه الشبابُ

    أما في مال ردفك من زكاةٍ

    فيدخل فيه لي هذا النصابُ.”

    Leave a Reply

    Your email address will not be published. Required fields are marked *

    *